
كان منذ حداثة سنّه يطمح إلى تونس حرّة، إلى أن قاده حماسه الوطني إلى التصدّي لقوات الاستعمار الفرنسي في تونس. وهكذا يصبح خلال فترةٍ وجيزة على رأس أكثر من ألفَي مقاتل.
في سنة 1948 شارك في حرب تحرير فلسطين، وكان لهذه التجربة وقعٌ كبيرٌ في نفسه، حمله, إثر عودته إلى تونس, على تنظيم الكفاح وإنشاء مقاتلي الفلاّقة، إلى جانب ساسي الأسود. فكافح بلا هوادةٍ من أجل مقاومة المحتلّ ولتخليد ذكرى رفاقه الفلاّقة الذين استشهدوا في ساحة القتال. وهكذا نذر هذا القائد حياته للنضال، بإرادةٍ لا تنثني، من أجل منح الشعب التونسي حرّيته.
الفلاّقة: هؤلاء الذين غفلهم التاريخ التونسي
الفلاّقة هم أفرادٌ من عامّة الناس، يأتي معظمهم من جنوب تونس؛ عمّالُ مناجم وفلاّحون تشبّعت أيديهم بتراب أرضهم، يجنون رزقهم اليومي بعرق جبينهم. إلاّ أنهم استطاعوا حمل السلاح والقتال تلبيةً لنداء الوطن ولاستقلاله.
آن الأوان لإنصاف هؤلاء الفلاّقة وأسرهم، ومنحهم المكانة التي يستحقّونها وعرفان التاريخ لِما بذلوه.

تتميّز حركة الفلاّقة بثلاث فترات. تمتدّ الفترة الأولى من يناير/كانون الثاني 1952 إلى سبتمبر/أيلول 1953، وتتميّز بإنشاء وتعزيز وتنظيم «العصابات»، فضلاً عن توزّعها الجغرافي في السهل وقفصة وقابس والمناطق العسكرية. والقائدان الرئيسيان لهذه المجموعة هما ساسي الأسود والأزهر الشريتي. وبدءاً من شهر مارس/آذار 1954 تطوّرت الحركة لتشمل ما يقرب من غالبية تونس.
سلمى المشاة، «تونس والمسيرة نحو الاستقلال (1945-1956)».
ترحيل رأس بون
حاصر الجيش الفرنسي منطقة رأس بون (كاب بون) لفترةٍ امتدّت من 20 يناير/كانون الثاني إلى 1 فبراير/شباط، ووضعها تحت قيادة اللواء جاربي الذي سبق له أن «أثبت مهارته» في مدغشقر سنة 1947، في أعمال السلب والتدمير والإعدامات التعسّفية واغتصاب النساء والفتيات… إلى كلّ ما هنالك من فظائع، دون جدوى.
في ذلك الوقت، تشكّلت فرق الفلاّقة لتُحدِث الرعب في المدن وحول المزارع المعزولة للمستعمرين، ممّا أدّى إلى وقوع مجموعةٍ مريعةٍ من أعمال الإرهاب والقمع العشوائي. ولا يستقرّ الوضع إلاّ حين يُدلي بيير مندس فرنس بخطابه الشهير في 31 يوليو/تموز 1954 في قرطاج، يمنح فيه, في آخر المطاف, السيادة الداخلية لتونس، الموعودة بها منذ سنة 1950.
باتريك جرار، 30/03/2005.